الأحد، 30 أغسطس 2009

قصة سيدنا يحيى ( عليه السلام)

نبذة:
ابن نبي الله زكريا، ولد استجابة لدعاء زكريا لله أن يرزقه الذرية الصالحة فجعل آية مولده أن لا يكلم الناس ثلاث ليال سويا، وقد كان يحيى نبيا وحصورا ومن الصالحين ، كما كان بارا تقيا ورعا منذ صباه.

سيرته:
ذكر خبر ولادة يحيى عليه السلام في قصة نبي الله زكريا. وقد شهد الحق عز وجل له أنه لم يجعل له من قبل شبيها ولا مثيلا، وهو النبي الذي قال الحق عنه: (وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا)..
ومثلما أوتي الخضر علما من لدن الله، أوتي يحيي حنانا من لدن الله، والعلم مفهوم، والحنان هو العلم الشمولي الذي يشيع في نسيجه حب عميق للكائنات ورحمة بها، كأن الحنان درجة من درجات الحب الذي ينبع من العلم.
ولقد كان يحيي في الأنبياء نموذجا لا مثيل له في النسك والزهد والحب الإلهي.. هو النبي الناسك. كان يضيء حبا لكل الكائنات، وأحبه الناس وأحبته الطيور والوحوش والصحاري والجبال، ثم أهدرت دمه كلمة حق قالها في بلاط ملك ظالم، بشأن أمر يتصل براقصة بغي.

فضل يحيى عليه السلام:
يذكر العلماء فضل يحيي ويوردون لذلك أمثلة كثيرة. كان يحيي معاصرا لعيسى وقريبه من جهة الأم (ابن خالة أمه)..
وتروي السنة أن يحيي وعيسى التقيا يوما.
فقال عيسى ليحيي: استغفر لي يا يحيي.. أنت خير مني.
قال يحيي: استغفر لي يا عيسى. أنت خير مني.
قال عيسى: بل أنت خير مني.. سلمت على نفسي وسلم الله عليك.
تشير القصة إلى فضل يحيي حين سلم الله عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.
ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوما فوجدهم يتذاكرون فضل الأنبياء.
قال قائل: موسى كليم الله.
وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته.
وقال قائل: إبراهيم خليل الله.
ومضى الصحابة يتحدثون عن الأنبياء، فتدخل الرسول عليه الصلاة والسلام حين رآهم لا يذكرون يحيي. أين الشهيد ابن الشهيد؟ يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب. أين يحيي بن زكريا؟
نشأته:
ولد يحيي عليه السلام.. كان ميلاده معجزة.. فقد جاء لأبيه زكريا بعد عمر طال حتى يئس الشيخ من الذرية.. وجاء بعد دعوة نقية تحرك بها قلب النبي زكريا.
ولد يحيي عليه السلام فجاءت طفولته غريبة عن دنيا الأطفال.. كان معظم الأطفال يمارسون اللهو، أما هو فكان جادا طوال الوقت.. كان بعض الأطفال يتسلى بتعذيب الحيوانات، وكان يحيي يطعم الحيوانات والطيور من طعامه رحمة بها، وحنانا عليها، ويبقى هو بغير طعام.. أو يأكل من أوراق الشجر أو ثمارها.
وكلما كبر يحيي في السن زاد النور في وجهه وامتلأ قلبه بالحكمة وحب الله والمعرفة والسلام. وكان يحيي يحب القراءة، وكان يقرأ في العلم من طفولته.. فلما صار صبيا نادته رحمة ربه: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا).
صدر الأمر ليحيي وهو صبي أن يأخذ الكتاب بقوة، بمعنى أن يدرس الكتاب بإحكام، كتاب الشريعة.. رزقه الله الإقبال على معرفة الشريعة والقضاء بين الناس وهو صبي.. كان أعلم الناس وأشدهم حكمة في زمانه درس الشريعة دراسة كاملة، ولهذا السبب آتاه الله الحكم وهو صبي.. كان يحكم بين الناس، ويبين لهم أسرار الدين، ويعرفهم طريق الصواب ويحذرهم من طريق الخطأ.
وكبر يحيي فزاد علمه، وزادت رحمته، وزاد حنانه بوالديه، والناس، والمخلوقات، والطيور، والأشجار.. حتى عم حنانه الدنيا وملأها بالرحمة.. كان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب، وكان يدعو الله لهم.. ولم يكن هناك إنسان يكره يحيي أو يتمنى له الضرر. كان محبوبا لحنانه وزكاته وتقواه وعلمه وفضله.. ثم زاد يحيي على ذلك بالتنسك.
وكان يحيي إذا وقف بين الناس ليدعوهم إلى الله أبكاهم من الحب والخشوع.. وأثر في قلوبهم بصدق الكلمات وكونها قريبة العهد من الله وعلى عهد الله..
وجاء صباح خرج فيه يحيي على الناس.. امتلأ المسجد بالناس، ووقف يحيي بن زكريا وبدأ يتحدث.. قال: إن الله عز وجل أمرني بكلمات أعمل بها، وآمركم أن تعملوا بها.. أن تعبدوا الله وحده بلا شريك.. فمن أشرك بالله وعبد غيره فهو مثل عبد اشتراه سيده فراح يعمل ويؤدي ثمن عمله لسيد غير سيده.. أيكم يحب أن يكون عبده كذلك..؟ وآمركم بالصلاة لأن الله ينظر إلى عبده وهو يصلي، ما لم يلتفت عن صلاته.. فإذا صليتم فاخشعوا.. وآمركم بالصيام.. فان مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك جميل الرائحة، كلما سار هذا الرجل فاحت منه رائحة المسك المعطر. وآمركم بذكر الله عز وجل كثيرا، فان مثل ذلك كمثل رجل طلبه أعداؤه فأسرع لحصن حصين فأغلقه عليه.. وأعظم الحصون ذكر الله.. ولا نجاة بغير هذا الحصن.

مواجهة الملك:
كان أحد ملوك ذلك الزمان طاغية ضيق العقل غبي القلب يستبد برأيه، وكان الفساد منتشرا في بلاطه.. وكان يسمع أنباء متفرقة عن يحيي فيدهش لأن الناس يحبون أحدا بهذا القدر، وهو ملك ورغم ذلك لا يحبه أحد.
وكان الملك يريد الزواج من ابنة أخيه، حيث أعجبه جمالها، وهي أيضا طمعت بالملك، وشجعتها أمها على ذلك. وكانوا يعلمون أن هذا حرام في دينهم. فأرد الملك أن يأخذ الإذن من يحيى عليه السلام. فذهبوا يستفتون يحيى ويغرونه بالأموال ليستثني الملك.
لم يكن لدى الفتاة أي حرج من الزواج بالحرام، فلقد كانت بغيّ فاجرة. لكن يحيى عليه السلام أعلن أمام الناس تحريم زواج البنت من عمّها. حتى يعلم الناس –إن فعلها الملك- أن هذا انحراف. فغضب الملك وأسقط في يده، فامتنع عن الزواج.
لكن الفتاة كانت لا تزال طامعة في الملك. وفي إحدى الليالي الفاجرة أخذت البنت تغني وترقص فأرادها الملك لنفسهن فأبت وقالت: إلا أن تتزوجني. قال: كيف أتزوجك وقد نهانا يحيى. قالت: ائتني برأس يحيى مهرا لي. وأغرته إغراء شديدا فأمر في حينه بإحضار رأس يحيى له.
فذهب الجنود ودخلوا على يحيى وهو يصلي في المحراب. وقتلوه، وقدموا رأسه على صحن للملك، فقدّم الصحن إلى هذه البغيّ وتزوجها بالحرام.

الخميس، 27 أغسطس 2009

قصة سيدنا أيوب (4)

(4)

ضاقت الأحوالُ فمات الولدُ وجفَّ الخيرُ وتصالحت الأمراض والبلايا على جسمه ، فقعد لا يستطيع أن يكسب قوت يومه .

وخرجت زوجته تعمل في بيوت حوران، تخدم وتكدح في المنازل لقاء قوت يومهما ..

وكانت زوجة أيوب عليه السلام تستمدّ صبرها من صبر زوجها وتحمّله . وقد أعدت لأيوب عليه السلام عريشًا فى الصحراء يجلس فيه وكانت تخاف عليه من الوحوش والحيوانات الضالة، لكن لا حيلة لهما غير ذلك .

وظل الحال على ذلك أعواما عديدة وهما صابرين محتسبين .

وفى يوم من الأيام ..

وبينما كانت الزوجة الصالحة خارج البيت ..

مرّ رجلان من أهل حوران – وكانا صديقين له قبل ذلك - توقفا عند أيوب عليه السلام ونظرا إليه، فرأوه على حالته السيئة من المرض والفقر والوحدة ..

فقال أحدهما : أأنت أيوب ! سيد الأرض

- ماذا أذنبت لكي يفعل الله بك هذا ؟!

وقال الآخر : انك فعلت شيئاً كبيراً تستره عنا ، فعاقبك الله عليه .

تألّم أيوب عليه السلام . إن الكثير يتهمونه بما هو برئ منه .

قال أيوب عليه السلام بحزن : وعزّة ربي إنّه ليعلم ببراءتى من هذا.

تعجّب الرجلان من صبر أيوب عليه السلام ، وانصرفا عنه في طريقهما وهما يفكّران في كلمات أيوب عليه السلام !

أما زوجته الصالحة فقد بحثت عمّن يستخدمها في العمل ، ولكن الأبواب قد أُغلقت في وجهها . . ومع ذلك لم تمدّ يدها لأحد .

وتحت ضغط الحاجة والفقر ، اضطرت أن تقص ضفيرتيها لتبيعهما مقابل رغيفين من الخبز .

ثم عادت إلى زوجها وقدّمت له رغيف الخبز عندما رأى أيوب عليه السلام ما فعلت زوجته بنفسها شعر بالغضب .

حلف أيوب عليه السلام أن يضربها على ذلك مائة ضربة، ولم يأكل رغيفه كان غاضباً من تصرّفها ، ما كان ينبغي لها أن تفعل ذلك .

ورغم أن زوجة أيوب عليه السلام طلبت منه كثيرا أن يدعوا الله لكى يزيح عنه هذا البلاء الذى استمر هذه السنوات العديدة فكان يرفض أن يشكو الله تعالى .

وتحمل المرض والبلايا .. وتحمل اتهامات الناس .

لكن بيع زوجته لضفيرتيها هزه من الداخل

فنظر إلى السماء وقال :

يا رب إنّي مسّني الشيطان بنصبٍ وعذاب.

يا رب بيدك الخير كله والفضل كله وإليك يرجع الأمر كله ..

ولكن رحمتك سبقت كل شئ ..

فلا أشقى وأنا عبدك الضعيف بين يدك ..

يا رب ‍‍.. مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ..

وهنا .... أضاء المكان بنور شفاف جميل وامتلأ الفضاء برائحة طيّبة، ورأى أيوب ملاكاً يهبط من السماء يسلم عليه ويقول :

نعم العبد أنت يا أيوب إن الله يقرئك السلام ويقول : لقد أُجيب دعوتك وأن الله يعطيك أجر الصابرين..

اضرب برجلك الأرض يا أيوب ! واغتسل في النبع البارد واشرب منه تبرأ بإذن الله .

غاب الملاك ، وشعر أيوب بالنور يضيء في قلبه فضرب بقدمه الأرض، فانبثق نبع بارد عذب المذاق .... ارتوى أيوب عليه السلام من الماء الطاهر وتدفقت دماء العافية في وجهه ، وغادره الضعف تماماً.

و بينما أيوب عليه السلام يغتسل عريانا خر عليه رِجْلُ جَرَادٍ من ذهب فجعل يحثي في ثوبه . فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك ..

خلع أيوبُ عليه السلام ثوب المرض والضعف وارتدى ثياباً تليق به ، يملؤها العافية والسؤدد .

وشيئاً فشيئاً .. ازدهرت الأرض من حوله وأينعت .

عادت الصحة والعافية .. عاد المال .. ودبت الحياة من جديد.

عادت الزوجة تبحث عن زوجها فلم تجده ووجدت رجلاً يفيض وجهه نعمة وصحته وعافية . فقالت له باستعطاف :

ـ ألم ترَ أيوب . . أيوب نبي الله ؟!

ـ أنا أيوب ‍‍‍.

ـ أنت ؟! إن زوجي شيخ ضعيف .. ومريض أيضاً !

ـ المرض من الله والصحة أيضاً .. وهو سبحانه بيده كل شيء .

ـ نعم .. لقد شاء الله أن يمنّ عليّ بالعافية وأن تنتهي محنتنا ! وأمرها أن تغتسل فى النبع ، لكى يعود إليها نضارتها وشبابها .

فاغتسلت في مياه النبع فألبسها الله ثوب الشباب والعافية .

ورزقهما الله بنينا وبنات من جديد ..

ووفاء بنذر أيوب عليه السلام أن يضرب زوجته مائة ضربة أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثا وهو ملء اليد من حشيش البهائم ، ثم يضربها به فيوفى يمينه و لا يؤلمها ، لأنها امرأة صالحة لا تستحق إلا الخير.

وكان أيوب عليه السلام واحدًا من عباد الله الشاكرين فى الرخاء، الصابرين فى البلاء ، الأوَّابين إلى الله تعالى فى كل حال .

وعَرِفَ الناسُ جميعًا قصةَ أيوب عليه السلام وأيقنوا أن المرض والصحة من الله وأن الفقر والثراء من الله ..



وسجل الله قصته فى القرآن الكريم فقال تعالى :

) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ( سورة الأنبياء الآية : 83 و 84



وقال تعالى :

) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( سورة ص الآية : 41 ـ 44

الأربعاء، 26 أغسطس 2009

قصة سيدنا أيوب (3)

(3)

ويأس الشيطان من أيوب وزوجته الصابرين المحتسبين .

فاتجه إلى أهل حوران ينفث فيهم الوساوس حتى جعلهم يعتقدون أن أيوب عليه السلام أذنب ذنباً كبيراً فحلّت به اللعنة ..

ونسج الناسُ الحكايات والقصص حول أيوب عليه السلام .. وتطور الأمرُ أكثر حتى ظنوا أن في بقائه خطرًا عليهم . .

وعقدوا العزم أن يخرجوا أيوبَ من أرضهم ..

وجاءوا إلى منزله .. لم يكن في منزله أحد سوى زوجته قائلين :

نحن نظنّ أن اللعنة قد حلّت بك ونخاف أن تعمّ القرية كلها .. فاخرج من قريتنا واذهب بعيداً عنا نحن لا نريدك أن تبقى بيننا .

غضبت زوجته من هذا الكلام قالت : نحن نعيش في منزلنا ولا يحق لكم أن تؤذوا نبي الله فى بيته وفى عقر داره ..

فردُّوا عليها بوقاحة : إذا لم تخرجا فسنخرجكما بالقوّة ..

لقد حلّت بكما اللعنة وستعمّ القرية كلها بسببكما ..

حاول أيوب عليه السلام أن يُفْهِمَ أهل القرية أن هذا امتحان وابتلاء من الله ، وأن الله يبتلى الأنبياء ابتلاءات شديدة حتى يكونوا مثلا ونموذجًا لتعليم الناس .

قالوا له : ولكنك عصيت الله وهو الذي غضب عليك .

قالت زوجته : انتم تظلمون نبيكم ..

هل نسيتم إحسانه إليكم هل نسيتم يا أهل حوران الكساء والطعام الذي كان يأتيكم من منزل أيوب ؟!

قال أيوب عليه السلام : يا رب إذا كانت هذه مشيئتك فسأخرج من القرية وأسكن في الصحراء . . يا رب سامح هؤلاء على جهلهم ... لو كانوا يعرفون الحق ما فعلوا ذلك بنبيهم ....

هكذا وصلت محنةُ أيوب عليه السلام، حيث جاء أهلُ حوران وأخرجوه من منزله .

كانوا يظنّون أن اللعنة قد حلّت به ، فخافوا أن تشملهم أيضاً .. نسوا كل إحسان أيوب وطيبته ورحمته بالفقراء والمساكين !

لقد سوّل الشيطانُ لهم ذلك فاتّبعوه وتركوا أيوب يعاني آلام الوحدة والضعف والمرض .. لم يبق معه سوى زوجته الوفية .. وحدها كانت تؤمن بأن أيوب في محنة تشبه محنة الأنبياء وعليها أن تقف إلى جانبه ولا تتركه وحيداً .

الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

قصة سيدنا أيوب (2)

بدأت المحنة والابتلاء من الله تعالى . .

فبينما كان كل شيء يمضي هادئاً . . فأيوب عليه السلام حامدًا شاكرًا ساجدًا لله تعالى على نعمه الكثيرة .. وأولاده ينعمون ويشكرون الله .. والعمال والعبيد يعملون في الأراضي والمزارع ..

زوجة أيوب عليه السلام كانت تطحن في الرحى . .

وبينما الجميع فى عافية من أمره مغتبطًا مسرورًا ، إذ وقعت الابتلاءات والمحن ..

فجاء أحد العمال يجرى ويصيح :

ـ يا سيدى .. يا نبى الله ؟!!

ـ ماذا حصل ؟! تكلم .

ـ لقد قتلوهم . . قتلوا جميع رفاقي . . الرعاة والفلاحين . . جميعهم قتلوا جرت دماؤهم فوق الأرض . . .

ـ كيف حدث ذلك ؟!

ـ هاجمنا اللصوص . . وقتلوا من قتلوا وأخذوا ما معنا من ماشية .

أيوب عليه السلام أخذ يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون . . .

إن الله سبحانه شاء أن يمتحن أيوب .. وأراد أن يبين للناس أن أيوب عليه السلام رجلاً صابرًا محتسبًا ولا يعبده لأنه فى غنى وعافية.

في اليوم التالي نزلت الصواعق من السماء على أحد الحقول التابعة لما يملكه أيوب عليه السلام .. وجاء أحد الفلاحين .. كانت ثيابه محترقة وحاله يُرثى له ..

هتف أيوب عليه السلام :

ـ ماذا حصل ؟!

ـ النار ! يا نبي الله النار !!

ـ ماذا حدث ؟

ـ احترق كل شيء . . لقد نزل البلاء . . الصواعق أحرقت الحقول والمزارع . . أصبحت أرضنا رمادًا يا نبي الله . . كل رفاقي ماتوا احترقوا .

قالت زوجة أيوب عليه السلام :

ـ ما هذه المصائب المتتالية ؟!

ـ اصبري يا امرأة . . هذه مشيئة الله .

ـ مشيئة الله !!

أجل .. لقد حان وقت الامتحان .. ما من نبي إلاّ وامتحن الله قلبه.

نظر أيوب عليه السلام إلى السماء وقال بضراعة :

ـ الهي امنحني الصبر ...

في ذلك اليوم أمر أيوب عليه السلام الخدم والعبيد بمغادرة منزله .. والرجوع إلى أهاليهم والبحث عن عمل آخر .

وفى اليوم التالى .. حدثت مصيبة تتكسر أمامها قلوب الرجال ..

لقد مات جميع أولاده البنين والبنات ، حيث اجتمعوا فى دار لهم لتناول الطعام فسقطت عليهم الدار فماتوا جميعا .

وازدادت محنة أيوب عليه السلام أكثر وأكثر ..

فلقد اُبتلى فى صحته ....

وانتشرت الدمامل فى جسمه ..

وتحول من الرجل الحسن الصورة والهيئة إلى رجل يفر منه الجميع .

ولم يبق معه سوى زوجته الطيّبة ..

أصبح منزله خالياً لا مال له ، لا ولد ، ولا صحة ..

عَلَّمَ أيوبُ عليه السلام زوجته أن هذه مشيئة الله ، وعلينا أن نسلّم لأمره ...

حاول الشيطان اللعين أن ينال من قلب أيوب عليه السلام ، فأخذ يوسوس إليه من كل جانب قائلا : ماذا فعلت يا أيوب حتى يموت أولادك وتصاب فى أموالك ، ثم تصاب فى صحتك .

فاستعاذ أيوب عليه السلام بالله من الشيطان الرجيم .. وتفل على الشيطان الرجيم ففر من أمامه . وكذلك فعلت زوجته وطردت وساوس الشيطان .

وكان أيوب عليه السلام لا يزداد مع زيادة البلاء إلا صبرًا وطمأنينة .

الاثنين، 24 أغسطس 2009

قصة سيدنا أيوب (1)

أيــوب عليه السلام


( فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) سورة الأعراف آية 176


أيوب عليه السلام .. نبى من أنبياء الله العظام الذين جاء ذكرهم فى القرآن الكريم .. يعرفه العام والخاص ، فحين يضربون مثلا للصبر يقولون " صبر أيوب "

فيا تُرى ما قصةُ أيوب عليه السلام ..

أيوب عليه السلام من ذرية يوسف عليه السلام ، تزوج سيدة عفيفة.

وأيوب عليه السلام وزوجته الكريمة يعيشان فى منطقة " حوران "

وقد أنعم الله على أيوب عليه السلام بنعم كثيرة فرزقه بنينًا وبنات، ورزقه أراضى كثيرة يزرعها فيخرج منها أطيب الثمار .... كما رزقه قطعان الماشية بأنواعها المختلفة .. آلاف من رءوس الأبقار ، آلاف رءوس من الأغنام ، آلاف من رءوس الماعز وأخرى من الجمال .

وفوق ذلك كله أعلى الله مكانته واختاره للنبوة .

وكان أيوب عليه السلام ملاذًا وملجئًا للناس جميعًا وبيته قبلة للفقراء لما علموا عنه أنه يجود بما لديه ولا يمنعهم من ماله شيئًا .

و لا يطيق أن يرى فقيرًا بائسًا، و بلغ من كرمه عليه السلام أنه لم يتناول طعامًا حتى يكون لديه ضيفًا فقيرًا .

هكذا عاش أيوب عليه السلام ..

يتفقد العمل في الحقول والمزارع ، ويباشر على الغلمان والعبيد والعمال ، وزوجته تطحن وبناته يشاركن الأم ..

وأبناء أيوب عليه السلام يحملون الطعام ويبحثون عن الفقراء والمحتاجين من أهل القرية ، والخدم والعمال يعملون في المزارع والأراضى والحقول .

و أيوب عليه السلام يشكر الله .. ويدعو الناس إلى كل خير وينهاهم عن كل شر .

أحب الناسُ أيوب عليه السلام .. لأنه مؤمن بالله يشكر الله على نعمه .. ويساعد الناس جميعاً .. ولم يتكبر بما لديه ، من مزارع وحقول وماشية وأولاد ..

كان يمكنه أن يعيش في راحة ، ولكنه كان يعمل بيده ، وزوجته هي الأخرى كانت تعمل فى بيتها ....

راح الشيطان يوسوس للناس يقول لهم: إن أيوب يعبد الله لأنه أعطاه هذا الخير العميم والفضل الكثير من البنين والبنات والأموال من قطعان الماشية والأراضى الخصبة .. فأيوب يعبد الله لذلك وخوفا على أمواله . ولو كان فقيرًا ما عبد الله ولا سجد له ...

ووجد الشيطان من يسمع له ويصغى لما يقول من وساوس .. فتغيرّت نظرتهم إلى أيوب عليه السلام وأصبحوا يقولون :

" إن أيوب لو تعرض لأدنى مصيبة لترك ما هو فيه من الطاعة والإنفاق فى سبيل الله .. ألا ترون كثرة أولاده وكثرة أمواله وكثرة أراضيه المثمرة ، فلو نزع الله منه هذه الأشياء لترك عبادة الله بل سينسى الله ..

ورويدًا رويدًا ..

تحول أهل حوران إلى ناقمين على أيوب عليه السلام بعدما كانوا يحبونه حبا جما .. وأصبحوا يرون أيوب عليه السلام من بعيد فيتحدثون عنه بصورة مؤذية .

الأحد، 23 أغسطس 2009

حكمة لقمان (2)

( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خبير * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) لقمان 15 - 19



الشرح:( وَإِنْ جَاهَدَاكَ ) أى إجتهد والداك ( جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ) ولا تظن أن هذا داخل فى الإحسان إليهما لأن حق الله مقدم على حق كل أحد "ولا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق"
ولم يقل: "وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فعقهما" بل قال: ( فَلَا تُطِعْهُمَا ) أى بالشرك وأما برهما فإستمر عليه ولهذا قال: ( تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) أى صحبة إحسان إليهما بالمعروف وأما إتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصى فلا تتبعهما.
( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ) وهم المؤمنون بالله وملائكتة وكتبه ورسله المستسلمون لربهم المنيبون إليه وأتباع سبيلهم أن يسلك مسلكهم فى الإنابة إلى الله التى هى إنجذاب دواعى القلب وإرادته إلى الله ثم يتبعها سعى البدن فيما يرضى الله ويقرب منه.
( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) الطائع والعاصى والمنيب وغيره ( فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) فلا يخفى على الله من أعمالهم خافيه.

( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) التى هى أصغر الأشياء وأحقرها ( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ) أى فى وسطها ( أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ ) فى أى جهة من جهاتها ( يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ) لسعة علمه وتمام خبرته وكمال قدرته ولهذا قال: ( إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خبير ) أى لطف فى علمه وخبرته حتى إطلع على البواطن والأسرار وخفايا القفار والبحار والمقصود من هذا الحث على مراقبة الله والعمل بطاعته مهما أمكن والترهيب من عمل القبيح قل أو كثر.

( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ) حثه عليها وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به والعلم بالمنكر لينهى عنه والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلا به من الرفق والصبر وقد صرح به فى قوله: ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ ) الذى وعظ له لقمان إبنه ( مِنْ عَزْمِ الأمور ) أى من الأمور التى يعزم عليها ويهتم بها ولا يوفق إليها إلا أهل العزائم.

( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) أى لا تمله وتعبس بوجهك للناس تكبراً عليهم وتعاظماً
( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ) أى بطراً فخراً بالنعم ناسياً المنعم معجباً بنفسك ( مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ ) فى نفسه وهيئته وتعاظمه ( فَخُورٍ ) بقوله.
( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) أى إمش متواضعاً مستكيناً لا مشى البطر والتكبر ولا مشى التماوات
( وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ) أدباً مع الناس ومع الله ( إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ ) أى أفظعها وأبشعها ( لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) فلو كان فى رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة لما إختص بذلك الحمار الذى علمت خسته وبلادته.

وهذه الوصايا التى وصى بها لقمان إبنه تجمع أمهات الحكم وتستلزم ما لم يذكر منها وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمراً وإلى أمرها إن كانت نهياً وهذا يدل على ما ذكرنا فى تفسير الحكمة أنها العلم بالأحكام وحكمها ومناسباتها فأمره بأصل الدين وهو التوحيد ونهاه عن الشرك وبين له الموجب لتركه وأمر ببر الوالدين وبين له السبب الموجب لبرهما وأمره بشكره وشكرهما ثم إحترز بأن محل برهما وإمتثال أوامرهما ما لم يأمرا بمعصية ومع ذلك فلا يعقهما بل يحسن إليهما وإن كان لا يعطيهما إذا جاهداه على الشرك وأمره بمراقبة الله وخوفه القدوم عليه وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر إلا أتى بها ونهاه عن التكبر وأمره بالتواضع ونهاه عن البطر والأشر والمرح وأمره بالسكون فى الحركات والأصوات ونهاه عن ضد ذلك وأمره بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإقامة الصلاة وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر كما قال تعالى: فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا أن يكزون مخصوصاً بالحكمة مشهوراً بها ولهذا منة الله عليه وعلى سائر عباده أن قص عليهم من حكمته ما يكون لهم به أسوة حسنة.


حكمة لقمان (1)

( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عظيم * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) لقمان: 12 - 14


الشرح:

يخبر الله عن إمتنانه على عبده الفاضل لقمان بالحكمة ، وهى العلم بالحق على وجهه وحكمتة فى العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام فقد يكون الإنسان عالماً ولا يكزون حكيماً
وأما الحكمة فهى مستلزمة للعلم بل وللعمل ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح.
ولما أعطاه الله هذه المنة العظيمة أمره أن يشكره على ما أعطاه ليبارك له فيه وليزيده من فضله وأخبره أن شكر الشاكرين يعود نفعه عليهم وأن من كفر فلم يشكر الله عاد وبال ذلك عليه. والله الغنى عنه حميد فيما يقدره ويقضيه على من خالف أمره فغناه تعالى من لوازم ذاته وكونه حميداً فى صفات كماله حميداً فى جميل صنعه وإجتماع أحدهما إلى الآخر زيادة كمال إلى كمال.
وإختلف المفسرون هل كان لقمان نبياً أم عبداً صالحاً؟ والله تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة وذكر بعض ما يدل على حكمته فى وعظه لإبنه فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ )

أو قال له قولاً به يعظه بالأمر والنهى المقرون بالترغيب والترهيب فأمره بالإخلاص ونهاه عن الشرك وبين له السبب فى ذلك فقال : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عظيم ) ووجه كونه عظيماً أنه لا أفظع ولا أبشع ممن سوى المخلوق من تراب بمالك الرقاب وسوى الذى لا يملك من الأمر شيئاً بمن له الأمر كله وسوى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغنى عن الوجوه كلها وسوى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذى ما بالخلق من نعمة فى دينهم ودنياهم وأخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه ولا يصرف السوء إلا هو فهل أعظم من هذا الظلم شئ؟!!

وهل أعظم ظلماً مما خلقه الله تعالى لعبادته وتوحيده فذهب بنفسه الشريفة فجعلها فى أخس المراتب وجعلها عابدة لمن لا يسوى شيئاً فظلم نفسه ظلماً كبيراً

ولما أمر بالقيام بحقه بترك الشرك الذى من لوازمه القيام بالتوحيد أمر بالقيام بحق الوالدين فقال: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ ) أى عهدنا إليه وجعلناه وصية عنده سنسأله عن القيام بها وهل حفظها أم لا؟ فوصيناه ( بِوَالِدَيْهِ ) وقلنا له: ( اشْكُرْ لِي ) بالقيام بعبوديتى وأداء حقوقى وأن لا تستعين بنعمى على معصيتى ( وَلِوَالِدَيْكَ ) بالإحسان إليهما بالقول اللين والكلام اللطيف والفعل الجميل والتواضع لهما وإكرامهما وإجلالهما والقيام بمؤونتهما وإجتناب الإساءة إليهما من كل وجه بالقول والفعل.

فوصيناه بهذة الوصية وأخبرناه أن ( إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) أى سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك وكلفك بهذه الحقوق فيسألك هل قمت بها فيثيبك الثواب الجزيل؟ أم ضيعتها فيعاقبك العقاب الوبيل؟
ثم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين فى الأم فقال: ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) أى مشقة على مشقة فلا تزال تلاقى المشاق من حين يكون نطفة من الوحم والمرض والضعف والثقل وتغير الحال ثم وجع الولادة ذلك الوجع الشديد

ثم ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد مع شدة الحب أن يؤكد على ولده ويوصى إليه بتمام الإحسان إليه؟

إن شر الدواب عند الله

( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) الأنفال: 22 - 23


الشرح:

يقول تعالى: ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ ) من لم تفد فيهم الآيات والنذر وهم ( الصُّمُّ ) عن إستماع الحق ( الْبُكْمُ ) عن النطق به ( الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) ما ينفعهم، ويؤثرونه على ما يضرهم، فهؤلاء شر عند الله من جميع الدواب ، لأن الله أعطاهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ليستعملوها فى طاعة الله، فإستعملوها فى معاصيه وعدموا – بذلك – الخير الكثير، فإنهم كانوا بصدد أن يكونوا من خيار البرية فأبوا هذا الطريق وإختاروا لأنفسهم أن يكونوا من شر البرية والسمع الذى نفاه الله عنهم سمع المعنى المؤثر فى القلب وأما سمع الحجة فقد قامت حجة الله تعالى عليهم بما سمعوه من آياته وإنما لم يسمعهم السماع النافع لأنه لم يعلم فيهم خيراً يصلحوا به لسماع آياته.

( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ) على الفرض والتقدير ( لَتَوَلَّوْا ) عن الطاعة ( وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) لا إلتفات لهم إلى الحق بوجه من الوجوه وهذا دليل على أن الله تعالى لا يمنع الإيمان والخير إلا لمن لا خير فيه الذى لا يزكو لديه ولا يثمر عنده وله الحمد تعالى والخكمة فى هذا
 
Free Hit Counter Locations of visitors to this page